ملا محمد مهدي النراقي
154
جامع الأفكار وناقد الأنظار
المعنى هو وجوب الفعل واستحالة الترك - أي : امتناع انفكاك ذاته تعالى عن ايجاد العالم في الجملة - فالمقابل للقدرة عند الأشاعرة هو امتناع الانفكاك ولو في وقت الايجاد ووجود الداعي ، والمقابل للقدرة عند المعتزلة هو امتناع الانفكاك في الأزل لا عند وجود الداعي - أعني : وقت الايجاد - . ثمّ القدرة بهذا المعنى تفرّد باثباتها المتكلّمون ؛ ونفاها الحكماء ، وقالوا بالايجاب المقابل لها « 1 » . وعلى هذا ثبت النزاع بين الحكماء والمتكلّمين في مقامين : الأوّل ما وقع بين الحكماء والأشاعرة من المتكلّمين ، وهو : انّ الحكماء ذهبوا إلى أنّ معنى صحّة صدور الفعل ولا صدوره هو مجرّد الامكان الذاتي - أي : امكان صدور الفعل ولا صدوره بالنظر إلى ذات الفاعل من حيث هي هي - . وليس معنى الصحّة بمعنى الامكان الوقوعي المستلزم لوقوع الانفكاك بين الواجب وبين الفعل حتّى يمكن وقوع الصدور ، واللاصدور ، لأنّهم يوجبون صدور الفعل مع الإرادة ، والإرادة عندهم عين الذات ، فلا يتخلّف الفعل عنه - تعالى - . فان قيل : الإرادة وغيرها من الصفات الكمالية إن كانت عندهم عين الذات لكان اعتبار ذاته - تعالى - عندهم اعتبار ارادته وساير صفاته الكمالية وبالعكس ، وكذا عدم اعتبار ذاته هو بعينه عدم اعتبار ارادته وساير صفاته الكمالية وبالعكس ، فلا يمكن تصوّر الانفكاك بينهما وجودا وعدما وإلّا يلزم « 2 » الانفكاك بين الشيء ونفسه ، وهو يستلزم عدم امكان الصدور واللاصدور بالنظر إلى الذات أيضا عند الحكماء ؛ قلت : هذه شبهة نتعرّض لها بعد ذلك ونبحث عنها . فهم - أي : الحكماء - يجعلون مقدّم الشرطية الأولى في التفسير الثاني واقعا ، بل واجبا ، ومقدّم الشرطية الثانية فيه غير واقع ، بل ممتنعا ؛ ويقولون : لكنّه شاء وفعل . والأشاعرة يقولون : معنى الصحّة هو الامكان الوقوعي الموجب لانفكاك الفعل عنه - تعالى - في أيّ وقت فرض ولو في
--> ( 1 ) - راجع : الدرّة الفاخرة ، ص 26 . ( 2 ) - الأصل : لزم .